هاشم معروف الحسني
143
سيرة الأئمة الاثني عشر ( ع )
منه لم يكن من النوع الذي اعتاده الأطفال من قبله هو لسان الرسول الذي لم يتحرك بغير الحق والصدق منذ صباه إلى أن اختاره اللّه إليه حتى غلبت عليه صفتا الصدق والأمانة وهو في مطلع شبابه وأصبح يعرف بهما أكثر مما يعرف باسمه ونسبه . لقد أراد الرسول ( ص ) أن يربط بين اللسانين كما ربط اللّه بين القلبين ويتعاهده منذ اليوم الأول الذي أطل به على هذه الدنيا فأدخل لسانه في فمه الذي لم ينطق إلا بالحق والحكمة ليطبع الحكمة على لسانه وليكون مفطورا على الحق والصدق وحربا ضارية على الباطل والعدوان ، وبعد ذلك أصبح غذاؤه من لبن أم طيبة طاهرة قد سجل لها التاريخ مواقف كريمة في تاريخ محمد بن عبد الله الذي فقد أباه وأمه وجده وهو طفل صغير فحضنه عمه أبو طالب وضمه إلى أولاده فكانت تفضله عليهم وتسهر على راحته وحياته ولم يشعر وهو في بيتها بمرارة اليتم وفقد الكفيل ، ولم يكن ينتظر لو أن أمه لا تزال بين الأحياء أن تعامله وترعاه بأفضل مما كانت تعامله وترعاه فاطمة بنت أسد . وبقي علي ( ع ) في رعاية أمه إلى أن بلغ الثامنة من عمره وكان محمد بن عبد الله قد تزوج من خديجة وأنجبت له بنين وبنات فاتفق أن أصابت قريشا أزمة شحت فيها موارد العيش وكان وقعها شديدا على أبي طالب لأنه كان كثير العيال وفي قلة من المال لا يفي بنفقة رجل مثله ، فقال محمد لعمّيه الحمزة والعباس : ألا نحمل ثقل أبي طالب في هذا المحل ، فجاؤوا إليه وسألوه أن يسلمهم ولده ليكفوه أمرهم ، فقال دعوا لي عقيلا وخذوا من شئتم ، فأخذ العباس طالبا وحمزة جعفرا ومحمد عليا ، وجاء عنه أنه قال : لقد اخترت من أختاره اللّه لي عليكم ، وكان علي يوم ذاك في الثامنة أو السادسة من عمره . وظل معه وفي رعايته يرعاه وينفق عليه ويتعاهده بالتعليم والتوجيه ويبث في روحه من دقائق الحكمة وأسرار الكون والمعرفة حتى أدرك من الحقائق ما لم يدركه بعد رسول اللّه أحد غيره ، ولم تكن فيه صفة إلا وهي مشدودة إلى صفة من صفات النبي ( ص ) ، وما من شيء أنكره قلب رسول اللّه من أحوال الجاهلية وسيئاتها قبل مبعثه إلا وأنكره قلب علي فأدرك ما يحيط بهذا الكون من حقائق وجوده ونواميس بقائه وأصبح المثل الأعلى في جميع صفاته ومواهبه وهو